Anti-Military-RuleFreedom & DemocracyHuman RightsLaw & Justice

سبع سنوات في الظلام عودة 8 مختفين قسرًا في أسوان تكشف عمق الأزمة الحقوقية في مصر

المواطنين الثمانية تم اعتقالهم من قبل قطاع الأمن الوطني المصري

في واحدة من أكثر الحوادث الصادمة التي تعيد إلى الواجهة ملف الانتهاكات الحقوقية في مصر، أعلنت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان عن عودة ثمانية مواطنين من محافظة أسوان إلى منازلهم، بعد أن اختفوا قسرًا لمدة قاربت السبع سنوات، في صمت مطبق من قبل السلطات، ومن دون أي إجراءات قانونية معلنة. هذا الحدث – رغم أهميته – لم يصاحبه أي إعلان رسمي أو اعتراف حكومي، مما يعكس استمرار منهجية التعتيم، ويطرح أسئلة جوهرية حول غياب العدالة، وشرعنة القمع في الدولة المصرية.


قصة الاختفاء: اعتقالات تعسفية وأبواب مغلقة

بدأت الحكاية في شهري أكتوبر ونوفمبر من عام 2018، حين شنت قوات الأمن الوطني حملات دهم واعتقال طالت عدداً من المواطنين في أسوان. عمليات الاعتقال هذه، بحسب الشهادات والبلاغات القانونية التي قدمتها الأسر، تمت دون إذن من النيابة، ودون الإفصاح عن الجهة التي نُقل إليها المعتقلون.

الضحايا الثمانية اختفوا تمامًا بعد اعتقالهم، دون أي تواصل مع ذويهم، ودون عرضهم على النيابة أو إدراج أسمائهم في السجلات الرسمية للاحتجاز. وعلى مدار سبع سنوات، خاضت عائلاتهم معارك قانونية شرسة، قدموا فيها شكاوى واستغاثات إلى الجهات القضائية والحقوقية، لكن دون جدوى.

في بلد يُفترض أنه يحكمه القانون والدستور، يمكن لأي مواطن أن يتحوّل إلى “شخص غير موجود” لمجرد أنه أوقف في الشارع أو من منزله.


يعودون بلا صوت.. والعائلات تلتزم الصمت

في 10 مايو 2025، عاد المختفون الثمانية إلى منازلهم، دون أي إعلان رسمي، ودون توضيح أسباب احتجازهم أو توجيه تهم إليهم. الصمت الذي لازم عودتهم كان لافتًا؛ فلم تتحدث العائلات، ورفضت الإدلاء بأي تصريحات، خوفًا من الملاحقة أو إعادة الاحتجاز، وهو ما يعكس مناخًا عامًا من الترهيب الاجتماعي والسياسي.

الشبكة المصرية لحقوق الإنسان، التي تابعت هذه الحالات منذ بدايتها، أكدت أن الإفراج لا يمكن اعتباره “عفوًا” أو “تفضلاً”، بل هو حق مسلوب تم استرداده بعد سنوات من القهر والإذلال. فعودة المختفين بعد كل هذا الوقت دون محاكمة أو حكم قضائي يطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية خطيرة.


من هم العائدون؟

بحسب تقارير الشبكة، فإن أغلب العائدين من خلف جدران الاختفاء القسري كانوا يعملون في مهن حرة، بعيدًا عن النشاط السياسي أو الحقوقي. من بين هؤلاء:

  • جعفر عبده عبدالعزيز العوّاد، 44 عامًا، يعمل سائقًا لسيارة ميني باص مملوكة لعائلته. تم اعتقاله تعسفيًا في 30 أكتوبر 2018 أمام منزله، دون مذكرة توقيف أو تهم.

  • مواطن يعمل في محل للهواتف المحمولة في أسوان.

  • محمد عيسى، من منطقتي حلايب وشلاتين.

  • خمسة آخرون من مناطق وقُرى مختلفة داخل المحافظة.

والمفارقة أن أغلبهم لم يكن له أي نشاط سياسي أو حزبي، ما يعزز الفرضية بأن الاعتقالات كانت مبنية على الاشتباه فقط أو التبليغ الكيدي، أو مجرد الحضور في مكان وزمان خاطئين.


الاختفاء القسري: جريمة العصر الصامتة

الاختفاء القسري، وفقًا لتعريف القانون الدولي، هو “اعتقال أو احتجاز شخص من قبل الدولة أو بإذن منها، مع رفض الاعتراف بذلك أو إخفاء مصيره أو مكان وجوده، ما يضعه خارج حماية القانون”. وهو ليس فقط انتهاكًا لحقوق الإنسان، بل يُعد جريمة ضد الإنسانية حين يتم ارتكابه بشكل واسع النطاق أو منهجي.

تقدر منظمات حقوقية مصرية ودولية عدد المختفين قسرًا في مصر منذ عام 2013 بالآلاف. كثير من هؤلاء يظهرون بعد أسابيع أو شهور، لكن البعض – كما في هذه الحالة – يبقون سنوات في طي النسيان.

وتُشير تقارير الشبكة المصرية إلى أن نحو 200 مواطن ما زالوا مختفين حتى الآن، بعضهم منذ أحداث ثورة يناير 2011، دون أي معلومات عن مكان احتجازهم أو أوضاعهم الصحية.


متى تنتهي هذه المأساة؟

الإفراج عن هؤلاء الثمانية يجب أن يكون بداية لمراجعة شاملة لهذا الملف الدموي، لا مجرد حدث يُنسى سريعًا. لا يمكن أن يكون هناك إصلاح سياسي أو اجتماعي في ظل استمرار الاختفاء القسري، الذي يُمارس بغطاء قانوني هش، ويعتمد على الصمت والتخويف والتجاهل.

ما حدث في أسوان يؤكد أن الأمر ليس حادثًا فرديًا، بل سياسة متكررة ومنهجية. والتاريخ أثبت أن السكوت عن القمع لا يحمي أحدًا، بل يوسّع دائرته.


الخاتمة: الحرية لا تُمنح.. بل تُنتزع

في كل النظم الديمقراطية، الحرية ليست امتيازًا تمنحه الدولة متى شاءت، بل حقٌ ثابت يجب أن تصونه المؤسسات. أما حين تصبح حرية الإنسان مرهونة بمزاج الأجهزة الأمنية، وتُختزل حياته في تقرير غير معلن، فإننا أمام كارثة إنسانية وقانونية تهدد حاضر البلد ومستقبله.

نطالب بإغلاق هذا الملف المؤلم، والكشف عن مصير كل المختفين قسرًا، ومحاسبة من أمر ونفّذ وتستر على هذه الانتهاكات. العدالة لن تكتمل بعودة الضحايا فقط، بل بمحاسبة الجلادين.

Ahmed Magdy

I am an Egyptian software engineer with a passion for history, psychology, and politics. I love my country and believe in freedom, aspiring to see Egypt great and prosperous. I aim to combine my technical expertise with my aspirations for societal progress and achieving freedom and prosperity for my nation.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى